أبي طالب المكي

65

علم القلوب

قال الثوري : كان الناس يطلبون العلم ، فإذا علموا عملوا ، وإذا عملوا أخلصوا ، وإذا أخلصوا هربوا ، وذلك قوله تعالى : وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً [ الفرقان : 74 ] . قال الحسن : كانوا يحبون أن يوجد عندهم الخير . وقال بعضهم : هما عالمان : عالم الأمراء ، وعالم المتقين ، فعالم الأمراء هو العالم بالقضايا والأحكام ، وعالم المتقين هو عالم بالمعرفة واليقين . وقيل لسهل : من العلماء ؟ قال : الذين يؤثرون الآخرة على الدنيا ، ويؤثرون اللّه على نفوسهم . وقال بعض العلماء : كان أهل العلم على ضربين : عالم عام ، وعالم خاص ، فأما العالم العام ، فهو المفتى في الحلال والحرام ، وهؤلاء أصحاب الأساطير ، وأما العالم الخاص ، فهو العالم الذي إذا جئته تطلبه فلم تجده في البيت ، قص عليك بيته حاله ، ترى مصحفا معلقا ، ترى إحانة ، ترى ركوة ، ترى حصيرا مبسوطا ، ترى أثر الآخرة . وقيل : العالم هو الذي يخالف أحوال الجاهل والعامي ، كما قال الرسول صلى اللّه عليه وسلم في مباينة حامل القرآن عن غيره من أهل القسوة والرأي : « ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذ الناس نائمون ، وبنهاره إذ الناس مفطرون ، وبحزنه إذ الناس يفرحون ، وببكائه إذ الناس يضحكون ، وبصحبته إذ الناس يخلطون » ، فما رضى صلى اللّه عليه وسلم أن يكون من علم ودرى بوصف لم يعلم ولم يدر . يا أخي ، إذا كان كلامك كلام السفهاء ، وفعالك فعال الجهال ، وسكوتك سكوت أهل الغفلة ، فما ينفعك ما جمعت من طرائف العلم . وحكمة الحكماء : يا أخي ، ليس العالم المتكلم الواصف ، إنما العالم الحذر الخائف ، ليس العالم من جلس « 1 » [ على ] الكراسي ، إنما العالم من اجتنب المعاصي ، ليس العالم من صاح في المحافل ، [ إنما العالم ] من عرف دقائق الشبهات والنوازل ، ليس العالم من يروى ، إنما العالم من يرعوى ، ليس العالم من جمع ومنع ، وإنما العالم من زهد وقنع ، ليس العالم من تعمم وتطيلس ، إنما العالم من رقع ثيابه وفي الخلوة

--> ( 1 ) في الأصل : من جليس .